ابن عربي
544
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 104 إلى 105 ] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 104 ) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) ما ثم شارع إلا اللّه تعالى قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : « لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ » ولم يقل بما رأيت بل عتبه سبحانه وتعالى لما حرم على نفسه باليمين في قضية عائشة وحفصة ، فقال تعالى : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ » فكان هذا مما أرته نفسه . فهذا يدلك أنّ قوله تعالى « بِما أَراكَ اللَّهُ » أنه ما يوحي به إليه لا ما يراه في رأيه . فلو كان الدين بالرأي ، لكان رأي النبي صلّى اللّه عليه وسلم أولى من رأي كل ذي رأي فإذا كان هذا حال النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيما أرته نفسه فكيف رأي من ليس بمعصوم ومن الخطأ أقرب إليه من الإصابة . فدل أن الاجتهاد الذي ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إنما هو طلب الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة لا في تشريع حكم في النازلة ، فإن ذلك شرع لم يأذن به اللّه . فالمؤمنون يؤمنون بأن رأيه صلّى اللّه عليه وسلم شرع ، وأن اللّه أراه ذلك ، فإنه لا ينطق عن الهوى ، فحكمه حكم اللّه ، وهو ناقل عن اللّه ومبلغ عنه بما أراه اللّه ، وهو سرّ السنة في إثبات الحكم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 106 إلى 108 ] وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ما أحسن ما قال تعالى « يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ » فإنهم مجبولون على النسيان « وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ » الذي لا يضلّ ولا ينسى . وكان الأولى لو صح عكس القضية